الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

273

تفسير روح البيان

الخامسة وهي اشتغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عقابها فوات الثواب الذي فات عليه باشتغاله بها * فان عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة السادسة وهي ان يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيجره من الفاضل إلى المفضول ومن الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من أن يجره من الفاضل إلى الشرور بما يجره من الفاضل السهل إلى الأفضل الأشق كمائة ركعة بالنسبة إلى ركعتين ليصير اذدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية * وانما خلق اللّه إبليس ليتميز به الخبيث من الطيب فخلق اللّه الأنبياء لتقتدى بهم السعداء وخلق إبليس لتقتدى به الأشقياء ويظهر الفرق بينهما فإبليس دلال وسمسار على النار والخلاف وبضاعته الدنيا ولما عرضها على الكافرين قيل ما ثمنها قال ترك الدين فاشتروها بالدين وتركها الزاهدون واعرضوا عنها والراغبون فيها لم يجدوا في قلوبهم ترك الدين ولا الدنيا فقالوا له أعطنا مذاقة منها حتى ننظر ما هي فقال إبليس أعطوني رهنا فاعطوه سمعهم وأبصارهم ولذا يحب أرباب الدنيا استماع اخبارها ومشاهدة زينتها لان سمعهم وبصرهم رهن عند إبليس فأعطاهم المذاقة بعد قبض الرهن فلم يسمعوا من الزهاد عيب الدنيا ولم يبصروا قبائحها بل استحسنوا زخارفها ومتاعها فلذلك قيل حبك الشيء يعمى ويصم * فعلى العاقل ان يزهد ويرغب عن الدنيا ولا يقبل منها الا الحلال الطيب * قال الحسن البصري الحلال الطيب ما لا سؤال فيه يوم القيامة وهو ما لا بد منه قال النبي عليه السلام ( ان اللّه يهب لابن آدم ما لا بد منه ثوب يوارى به عورته وخبز يرد جوعته وبيت كعش الطير ) فقيل يا رسول اللّه فكيف الملح فقال ( الملح مما يحاسب به * وفي التأويلات النجمية الحلال ما أباح اللّه أكله والطيب ما لم يكن مشوبا بشبهة حقوق الخلق ولا بسرف حظوظ النفس وكل طيب حلال وليس كل حلال طيبا ولهذا قال النبي عليه السلام ( ان اللّه طيب ولا يقبل الا الطيب ) يعنى غير مشوب بعيب أو شبهة قيل ولا يقال إن اللّه حلال * واعلم أن أكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة اللّه والاجتناب عن خطوات الشيطان فالعمل الصالح نتيجة اللقمة الطيبة : وفي المثنوى علم وحكمت زايد از لقمه حلال * عشق ورقت زايد از لقمه حلال چون ز لقمه تو حسد بيني ودام * جهل وغفلت زايد آنرا دان حرام هيچ كندم كارى وجو بر دهد * ديدهء اسبى كه كره خرد دهد لقمه تخمست وبرش انديشها * لقمه بحر وكوهرش انديشها زايد از لقمهء حلال اندر دهان * ميل خدمت عزم سوى آن جهان وطلب الحلال بالكسب المشروع سنة الأنبياء عليهم السلام * وفي الكسب فوائد كثيرة . منها الزيادة على رأس المال ان عمل للتجارة والزراعة وغرس الأشجار وفيها صدقة لما أكلته الطيور وغيرها . ومنها اشتغال المكتسب بالكسب عن البطالة واللهو . ومنها كسر النفس وصيرورتها قليلة الطغيان . ومنها ان الكسب واسطة الأمان من الفقر الذي هو اسوداد الوجه في الدارين ولا يتحرك في الكسب لأجل عياله الا قال له حافظاه بارك اللّه لك في حركاتك وجعل نفقاتك ذخرا لك في الجنة ويؤمن عليهما ملائكة السماوات والأرض وأفضل الكسب الجهاد ثم التجارة ثم